أحمد بن أعثم الكوفي
325
الفتوح
نبيك محمد ، فكيف أخبره بهذا الخبر ، ليتني لم أنزل إليه ! فنودي الملك من فوق رأسه أن امض لما أمرت . فنزل وقد نشر أجنحته حتى وقف بين يديه فقال : السلام عليك يا حبيب الله ! إني استأذنت ربي في النزول إليك فأذن لي ، فليت ربي دق جناح ولم آتك بهذا الخبر ، ولكني مأمور ، يا نبي الله ! اعلم أن رجلا من أمتك يقال له يزيد - زاده الله عذابا - يقتل فرخك الطاهر ابن الطاهرة ، ولن يمتع بالملك من بعد ولدك ، وسيأخذه الله مغافضة على أسوء عمله ، فيكون من أصحاب النار . قال : فلما أتت على الحسين من مولده سنتان كاملتان خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سفر له ، فلما كان في بعض الطريق وقف فاسترجع ودمعت عيناه ، فسئل عن ذلك ، فقال : هذا جبريل يخبرني عن أرض بشاطىء الفرات يقال لها كربلا ، يقتل بها ولدي الحسين ابن فاطمة ، فقيل : من يقتله يا رسول الله ؟ فقال : رجل يقال له يزيد ، لا بارك الله له في نفسه ! وكأني أنظر إلى مصرعه ومدفنه بها ، وقد أهدي برأسه ، وو الله ما ينظر أحد إلى رأس ولدي الحسين فيفرع إلا خالف الله بين قلبه ولسانه . قال : ثم رجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من سفره ذلك مغموما ثم صعد المنبر فخطب ووعظ والحسين بن علي بين يديه مع الحسن ، قال : فلما فرغ من خطبته وضع يده اليمنى على رأس الحسن واليسرى على رأس الحسين ثم رفع رأسه إلى السماء فقال : اللهم ! إني محمد عبدك ونبيك وهذان أطايب عترتي وخيار ذريتي وأرومتي ومن أخلفهم في أمتي ، اللهم ! وقد أخبرني جبريل بأن ولدي هذا مقتول مخذول ، اللهم ! فبارك له في قتله واجعله من سادات الشهداء ، إنك على كل شيء قدير ، اللهم ! ولا تبارك في قاتله وخاذله . قال : وضج الناس في المسجد بالبكاء ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أتبكون ولا تنصرونه ! اللهم ! فكن أنت له وليا وناصرا . قال ابن عباس : ثم رجع وهو متغير اللون محمر الوجه فخطب خطبة بليغة موجزة وعيناه يهملان دموعا ثم قال : أيها الناس ! إني قد خلفت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي وأرومتي ومراح مماتي وثمرتي ، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض ، ألا ! وإني أسألكم في ذلك إلا ما أمرني ربي أن أسألكم المودة في القربى ، فانظروا أن لا تلقوني غدا على الحوض وقد أبغضتم عترتي وظلمتموهم ، ألا ! وإنه سيرد علي في القيامة ثلاث رايات من هذه الأمة ، راية سوداء مظلمة قد فزعت لها